عبد الملك الثعالبي النيسابوري
44
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
رأت شدن الآرام في زمن الهوى * ولم تر ليلي فهي تسفح ماءها خليليّ عوجا بارك اللّه فيكما * بدارتها الأولى نحيّ فناءها ولا تمنعاني أن أجود بأدمع * حواها الجوى لما نظرت جواءها فأقسم ما شمت الغداة وقودها * وقد شمت ما راب الحمى وأساءها ميادين أفراس الصبا ومراتع * رتعت بها حتى ألفت ظباءها ولم أر أسرابا كأسرابها الدمى * ولا ذئب مثلي قد رعى ثمّ شاءها ولا كضلال كان أهدى لصبوتي * ليالي يهديني الغرام خباءها وما هاج هذا الشوق إلّا حمائم * بكيت لها لما سمعت بكاءها تغنّ فلا يبعد بذي الأيك عاشق * بكى بين ليلى فاستحثّ بكاءها أنا البحر لا يستوهن الخطب طاقتي * وتأبى الحسان أن أطيق لقاءها تيمّم قصدي النائبات فردّها * فتى لم يشجّع حين حان رياءها إذا طرقته الحادثات أعارها * شبا فكرات قد أطال مضاءها « 1 » أما وأبي الأعداء ما دفعتهم * يد سبقتهم يتّقون عداءها جزاهم بما حازوا من الجهل حلمه * كريم إذا رأي المكارم جاءها ومنها : وكم لك من يوم وقفت بظله * وقد نازلتنا الحادثات إزاءها ومن موقف ضنك زحمت به العدى * وقد نفضت فيه العقاب رداءها وكم أمة أنجدتها وكأنها * يرابيع سدّت خيفة قصعاءها « 2 » ومن خطبة في كبّة الصّك فيصل * حسمت بها أهواءها ومراءها « 3 »
--> ( 1 ) الشبا : يقال شبا النار : أوقدها وهنا يقصد قوّة الفكر والرأي ومضاءها : إعمالها وحدّها . ( 2 ) يرابيع : جمع يربوع ، وهو حيوان قاضم يشبه الفأر ، قصير اليدين طويل الرجلين وطويل الذنب . ( 3 ) كبّة الصك : الكبّة : الزحمة والجماعة والشدّة والصك : الكتاب ، والمراء : المزاج والهوى .